لا نستغرب التميز اللافت من الجيل الجديد لفئة المواطنين بلا هوية في مجالات عدة كالأدب والرياضة والعسكرية والفن والإعلام والدعوة الإسلامية والعمل الخيري والاجتماعي والتعليم وعلوم الإدارة وغيرها، ولا نستغرب هذا التواجد الكبير لتلك الشريحة في ميادين العطاء الاجتماعي والفني والثقافي بصورة لافتة للنظر ومثيرة للإعجاب. ولكن ما يلفت هو أن حجم العطاء لهذا البلد لا يتناسب بتاتاً مع حجم الاهتمام، بل أكثر من ذلك حين يتم تعمد وضع العراقيل وكأن لسان حال المسؤولين هو أن الكبت والحرمان الذي تعيشه تلك الشريحة يجب أن يطول حتى هذا التميز اللافت!
ويكفي تسليط الضوء على شريحة من المتميزين اجتماعياً لإثبات الحالة، وهم أدباء «البدون», باعتبار أن المحن والمعاناة التي عاشوها قد ساهمت في تفجر مكامن الإبداعات الأدبية التي يشهد لها القاصي والداني, ووصل بعضها إلى العالمية، وهو يمثل «الكويت» رغم أن منهم من يحمل الجنسيات الأوروبية والخليجية وآخرون مازالوا عديمي الجنسية.
وما هو لافت، وللأسف الشديد، أن تمارس بعض الأقلام التي نكن لها كل احترام وتقدير في صحفنا المحلية نقداً لاذعاً لا ينسجم وحال الإبداع التي حققها بعض أبناء تلك الفئة. ولست هنا في صدد التعميم، ولكن كمفردة واضحة أشير إلى ما تعرضت إليه الشاعرة والصحافية القديرة سعدية مفرح من هجوم فقط كونها من تلك الشريحة المظلومة، في وقت لا ينكر أحد كم العطاء الذي تبذله للمساهمة في إصدار تلك الأعداد المميزة من «مجلة العربي» التابعة لوزارة الإعلام.
هذه الأديبة الواعدة التي أثرت المكتبة الكويتية والصفحات الثقافية بإبداعاتها، وشقت طريقها بين عدد كبير من الشخصيات الأدبية المميزة لتكون في المقدمة ولتقدم ما عجز عنه الآخرون باسم بلادها الكويت، هي واحدة بين مجموعة من الأدباء المبدعين الذين قاموا بترميم عطاءات المتردية والنطيحة والمتسلقين إلى قمة الأدب، فلم ينصفهم القدر وتعرضوا إلى ظلم ذي القربى وجور المسؤولين ومحاولات غير مبررة لتهميشهم تمهيداً لإقصائهم، ولابد اليوم من لفتة إيجابية تضع الأمور في نصابها الصحيح، وتعطي كل ذي حق حقه.
وأحسب اليوم أن النظر إلى هؤلاء يجب أن يكون ضمن منطق الاستيعاب الكامل عبر تمكينهم من الهوية الوطنية وتجنيسهم تحت بند الخدمات الجليلة التي بالتأكيد تنطبق عليهم، فمن يعط الكويت فلابد أن ينتظر عطاء مقابلاً لا يقل عما فعل، ومن يكرس تفاصيل حياته كلها في خدمة هذه الأرض ورفع شأنها فلابد أن ننظر إليه بمنظار الفخر لا الارتياب ونكافئه خيراً لا أن نسعى لإقصائه.
ومن المؤلم هنا أن تخسر الكويت هذه الثروة البشرية, فيتشرد المبدعون ويشد بعضهم الرحال إلى الدول التي تقدر إبداعاتهم وإنجازاتهم وقبلها آدميتهم, فهذا العملاق المبدع الأديب سليمان الفليح الذي تخرّج على يده جيل كامل من الشعراء الذين هم الآن يعتبرون من أعلام الساحة, بل لعلني لا أبالغ إن قلت إنه من مؤسسي ما عرفت في الصحف المحلية بالساحة الشعبية, وهو صاحب زاوية «هذرولوجيا» الشهيرة في جريدة «السياسة» أيام عز الصحافة في بداياتها... من سأل أين هو الآن؟ والأمر ينسحب على عميد الشعر الشعبي فهد عافت.
وأيضاً المبدع علي المسعودي, هؤلاء ببساطة أصبحوا اليوم خليجيين, أيضاً الروائي ناصر الظفيري الذي حصل على الجنسية الكندية, وصديقه الشاعر والصحافي محمد النبهان الذي حاز على جائزة مهرجان الشعر العالمي في رومانيا، إذ أشادوا وقتها - عند منحه الجائزة - بأهمية الشعر الكويتي. نعم... يشيدون بالشعر الكويتي والحائز على الجائزة كندي الجنسية! هل من مفارقة ظالمة أوضح من تلك؟ وأيضاً الشاعر والصحافي دخيل الخليفة، مؤسس ملتقى الثلاثاء, وآخرون كثر. فالقائمة تطول والأسماء كثيرة والانجازات عديدة, ولكن بماذا كوفئ هؤلاء سوى التجاهل والتطنيش والتهميش والتشريد، واليوم يأتي دور قذف التهم والإساءات إليهم؟ إنها نقطة سوداء في حاضر الكويت بالتأكيد سيكون لها تداعيات سلبية على مستقبل بلادنا ولا عزاء للمبدعين، والله أقولها بصراحة إن المسؤول عن ذلك هو وزير الإعلام ومادام هو نائم في العسل، فاستجوابه على هذا التسريب الكارثي للمبدعين هو حق.
الراي العام
د. سامي ناصر خليفة
تم إضافته يوم الأربعاء 24/02/2010 م - الموافق 10-3-1431 هـ الساعة 10:21 صباحاً