قلت في المقالة السابقة إن العبد لله – سليمان الفهد – كما كان يسمي نفسه ويسميه القراء حينما أتى إلى الجريدة وسأل عن ذلك الذي اسمه (مخراز) والذي هو (أنا) كاد قلبي أن يقفز من الفرح، لأن التلميذ سيكون أمام أستاذه الذي لم يره وحينما أقول إن سليمان الفهد أستاذي في الصحافة وخصوصاً في كتابة المقالة، فإنني لا أجد ضيراً من ذاك، فلمَ لا، ولمَ لا نردّ الفضل إلى أصحابه ولمَ تأخذنا العزّة العمياء دوماً كعرب مصابين بتضخم الأنا و(التوحد)، إذ إن واحدنا مهما صُغر شأنه يعتقد أنه (الفهيم) الأوحد والمبدع الأوحد والزعيم الأوحد، مما أوصلنا إلى ما نحن فيه من (دواهي!) على كافة الأصعدة بما فيها (الوحدوية)!! وفي صدد (الأستذة) فإننا كثيراً – وكلما زادت – معارفنا نكتشف أن هذا المبدع العالمي قد تأثر بمبدع عالمي قبله، إذ أذكر في هذا الصدد أننا أثرنا في الثمانينات الميلادية وفي جريدة السياسة كيف تأثر محمود درويش في قصيدته «مرثية لعزل الدين القلق» بقصيدة سعدي يوسف في مرثية للمهدي بن بركة وهذا الأمر قادنا لأن نكتشف أن سعدي قد تأثر بايلوار، وايلوار قد تأثر برمبو ورمبو قد تأثر بأدغار الن بو، وهكذا هي الحياة حتى بالنسبة للحضارات، فكيف الحال بالبشر، ومن لا يصدق ما أقول فيما يخص التأثر والتأثير فليسأل الصديق (طالب سعيد العنزي الذي أنفق جُل عمره وصحته بين الكتب في مكتبه الصليبيخات وهو يكتشف يومياً كيف تأثر بل أحياناً حد النسخ – هذا المفكر بذاك المفكر بل كيف أخذ عنه الى حد السرقة!! ما لنا ولذلك كله، المهم أن سليمان الفهد حينما جاء في إحدى زياراته لجريدة السياسة والتي كان يرسل مقالاته إليها آنذاك بواسطة سائقه السوري المتجهم دوماً والذي أعتقد أن اسمه محمود إن لم تخني الذاكرة وكان محمود هذا رجلاً يميل إلى السمنة ويعتمر شماغاً يلفه حول رأسه دوماً فيسلّم مقاله (معزبه – أو معذبه) لا فرق أبي نواف إلى مدير التحرير ويمضي دون أن ينبس ببنت شفه، الأمر الذي كنا نغبطه عليه؛ لأن لديه من يوصل مقالته للجريدة وليس مثل بقية الزملاء الذين يأتون من مناطقهم البعيدة لتسليم مقالاتهم. كـحسين العتيبي الذي كان يأتي من المقوع وأنا الذي كنت آتي من الجهراء ولم يكن هنالك آنذاك لا فاكس ولا إنترنت ولا ما يحزنون. أقول ذات مرة مرض سائق سليمان الفهد وجاء أبونواف (بقوته الذاتية) ليُسلّم مقالته، وكان أن سأل كما قلت عن ذلك الفتى الذي اسمه مخراز، وقلت إن أم الخير قد اقتحمت صالة التحرير وهي تبحث عن ذلك «البدوي الزفت»، وأم الخير كما قلت لكم كانت شخصية مهابة (تشخط) بأي كان دون حساب إذ (الويل. كل الويل) لمن يُقصّر في عمله من المحررين ويقابلها في ممرات الصحيفة وهي ترتدي بنطال الجينز بشعرها الأشعث وسيجارتها العتيدة إذ إنها تصب عليه كل قاموس الشتائم التي تحوّل أي صحفي ضخم إلى مجرد تلميذ مذنب أمام (ناظر) طاغية!! أقول لعلعت أم الخير في مدخل صالة التحرير وهي تقول «يا بدوي يا زفت تعاء» وبالطبع (تعييت) صاغراً وقادتني من يدي (كمخالف للإقامة يقوده شرطي في الشويخ الصناعية) ثم قالت وهي تدخل بي إلى مكتب محمد زين حيث أبونواف الفهد (يتمقعد) هناك: هيو. الزفت بس مبدع موعارف حالو.. وهنا كدت أقفز من الفرح وأقبّلها على شعرها الأشعث. لأنه ليس من السهل أن تمتدح أم الخير أحداً في ذلك الزمان بل تعطي شهادتها حتى ولو كانت مخلوطة بـ (الزفت).