الصعلوك في الجيش
لم يكن ينقذني من هذا الروتين المتناقض (قراءاتي وسوالف الشيبان) سوى مدرس اسمه أحمد العتيبي (الله يذكره بالخير) كان يحب هذه (السوالف، وكان يأتي أحياناً لأخذ (حصة) من التخلف عصراً... ويُدرّس حصة في التقدم صباحاً للتلاميذ، ثم يذهب (يكدّ) على سيارته (العبري) ـ أي التاكسي في المساء؛ لزيادة دخله الشهري، وكان بمثابة المنقذ لي؛ إذ يصطحبني أحياناً؛ لنتحدث وهو (يكدّ) عن الرواية والشعر والثقافة أو نفتح حواراً مع أحد الركاب ليحدثنا عن رواية واقعية من خلال تجربته في الحياة، ثم في نهاية (المكدّة) نتناول بعض السندوتشات و(الكنددراي) ـ مشروب كان ينافس البيبسي ـ ثم نختار فيلماً هندياً في سينما الفردوس ـ وكان ذلك قمة (الوناسة) في ذلك الزمان. وبالطبع لم يستفد أحمد، ولم أستفد أنا بأن يصبح أحدنا روائياً مثل (تشيخوف) أو تولستوي أو ديكنز؛ وذلك لأنني دخلت إلى السلك العسكري، وأحمد انتقل من مدرسة العضيلية إلى مدرسة أخرى، وانقطعت بيننا الصلات؛ إذ إنه ليس في ذلك الوقت من يملك منا (موبايلاً) أو هاتفاً نقالاً، بل حتى تليفوناً عادياً للتواصل والاتصال!
منذ النصف الأول للقرن المنصرم (العشرين) كان الالتحاق بالجيش الكويتي (غاية المُنى)، بل كان الحلم الأمثل لكل أبناء البادية في الخليج والجزيرة العربية وبعض البوادي المحاذية لهما والتي يتجول فيها أبناء القبائل التي تنتمي إلى الجزيرة العربية، وكان القبول في ذلك الجيش الباسل يستند إلى التحقق من الأصل القبلي للفرد الذي ينوي الالتحاق بشرف خدمة الكويت، بل كانت هنالك لجنة من الضباط الذين ينتمون لتلك القبائل مهمتهم التحقيق مع المتقدم للالتحاق بالجيش؛ للتأكد من هويته (القبلية) إن لم يكن يحمل الجنسية الكويتية، وفوق ذلك تُعرض طوابير جميع الذين أنهوا إجراءات القبول على اللواء الشيخ صالح المحمد الصباح، وكان خبيراً بالقبائل، ولديه فراسة نادرة في معرفة الرجال، وكان أن كدت أخفق مرتين بالدخول إلى ذلك العالم الحلم ـ الجيش الكويتي ـ ففي المرة الأولى كانت بسبب اللياقة البدنية التي تُوجب أن يكون وزن الجندي (50 كغم) فما فوق، وكان وزني آنداك (49 كغم)، فأشار علي أحد الرجال ـ الله يذكره بالخير ـ أن ألتهم كيلو موز قبل الدخول إلى الطبيب، وكان أن قبلت بنصيحته فاجتزت الاختبار. أما المرة الثانية فهي أثناء عرض المقبولين نهائياً على الشيخ صالح الذي كان يرفض المتقدم لمجرد الشكل، بل أحياناً حتى الصورة في الملف؛ ففي أثناء مروره بين الطوابير وكان شخصية مهيبة، وله كاريزما قيادية قلما توجد في الرجال؛ لذلك ما إن توقف أمامي حتى حدجني بنظرته النفّاذة الحادة وحاجبيه المقطبين، وسألني على الفور (من أين أنت يا بوعيون زرق؟!)، وقبل أن أقول له أنا (عنزي) انطلقت جملة من أحد المدربين الذين كانو يسيرون خلفه بقوله: ابن عم يا طويل العمر!! فأدار وجهه عني وحدق بالمدرب بعيني صقر يقدح منهما الشرر، وقال له بغلظة: ومن سألك أنت؟ ثم أكمل مسيرته يتفقد الطوابير. وفهمت فيما بعد أن المدرب الذي أخذته النخوة القبلية كادت أن (تطير رتبته العسكرية وكان برتبة (عريف)، ولكنه قال للشيخ بكل شجاعة: لأول مرة يا سيدي تخذلك فراستك، ولم أكن أريد لك ذلك؛ لأنك إن كنت تشك في (أصلنا كلنا أبناء هذه القبيلة التي تخدمك بإخلاص)، فشكك في أصل هذا الرجل جائز؛ لأننا (نخصّه ونقصه) فلم ينبس الشيخ صالح بكلمة واحدة سوى: انصرف يا عريف، وهكذا التحقت بالجيش الكويتي الباسل، والذي كان منذ التأسيس جيشاً عظيماً انتقائياً احتوى على خيرة الشباب من أبناء القبائل العربية الأصيلة