حينما كبرت وتوسع اطلاعي على تاريخ المنطقة، وجدت بعض أسماء أولئك الغزاة ووقائعهم ترد في بعض مؤلفات المؤرخين المتأخرين من الأجانب الذين كان لهم دور سياسي في المنطقة مثل (دكسون)، وغلوب، وليتشمان والحاج عبدالله (فيلبي). إنني أحس الآن بقصور؛ لأنني لم أكن حقيقة أعرف أهمية أولئك الرجال الذين كانوا جزءاً من التاريخ ـ إلاّ أنني أبرر ذلك القصور وعدم الاهتمام بأنني كنت حينما ينشغلون في (المعاياه) و(المعايرة) والنقاش أفتح كتاباً من روائع الأدب العالمي أستغرق في قراءته وأنا أجلس خلف الوجار أو (الوجاق) أو موقد النار وأقول في نفسي: يا للمتخلفين!! لكنني ـ أحياناً ـ كثيراً ما أجد نفسي مشدوداً بانشداه إلى وصف موقف تاريخي كان اثنان منهم شاهدين عليه، وكان كل منهما آنذاك في صف عدو الآخر كما هي طبيعة القبائل وزعمائها في ذلك الزمان، وأعني بذلك منذ مطلع القرن العشرين حتى الربع الأخير منه الذي أصبحت فيه تلك الأحداث العاصفة مجرد ذكريات نجترها اليوم.
وكان عمي أبو المزنوك ـ رحمه الله ـ، وكما يذكره جيداً الصديق والزميل وابن قبيلتي سعود راشد العنزي الذي سوف يجيز هذه المقالة، شخصية طريفة لم تفارقه (اللثمة أو اللطمة) الجزئية التي تغطي نصف وجهه حتى مات، كان راوية رائعاً، وشاعراً ساخراً، وعاشقاً أزلياً حتى قبل أن تغيبه الأيام، وأنا إذ أستشهد بـ (أبي راشد) فلأنه قد أدركه في سنواته الأخيرة إذ كان جاراً له في مدينة الجهراء، ولكنه لم يكن يدرك أنه (جوّاب آفاق) خطير.
أقول: إن ذلك الوضع المتناقض بالنسبة لي أي نزوعي الثقافي التقدمي وتطلعي إلى المستقبل من جهة كانت تجاذبه من ناحية أخرى (ثقافة الصحراء!!) التي تشدني إلى الخلف. ولكنني ـ ولله الحمد ـ استطعت أن أوازن بين التجاذبين، وأستفيد من ثقافة المدينة وإرث الصحراء كما قال أستاذي الراحل خالد سعود الزيد ـ طيّب الله ثراه ـ: (تلتقي المدنية بخبرتها، والبداوة بفطرتها في شخص العبد الله)، وبالرغم من أن المفردة الأخيرة (العبد الله) هي من حقوق الملكيات الصحفية الخاصة بصديقنا الكبير أبو نواف ـ سليمان الفهد (ما غيره) والذي سأتحدث عنه في مقالة قادمة باعتباره المفتاح الذهبي لي في الدخول إلى عالم المدينة