خريطة الموقع
الأربعاء 8 فبراير 2012م

السيرة الذاتية ،الموسوعة الحرة wikipedia  «^»  لقاء مهرجان دبي للشعر العالمي  «^»  حدائية إلى سلمان  «^»  لقاء صحيفة" الوئام "  «^»  القلم والبندقية  «^»  كبيرنا الذي علمنا الصعلكة  «^»  (سياحة وثقافة)  «^»  كيف إذن لا نحب سلطان؟!  «^»  حل المشكلة المقيتة  «^»  الاتجار بالدم!!جديد الأرشيف


المقالات
أعمال لم تنشر
السيرة الذاتية لطائر الصحراء
!بالصرماية


كنت أكتب مقالتي على طاولة خالية في صالة التحرير، وفجأة دخل علينا تاجر كويتي له علاقة مباشرة بجريدة السياسة، فنهض محرر فلسطيني وقبّل أنفه ثم انحنى وقبّل يديه، وكان يرحب به أهلاً عمي أهلاً عمي وكان ثمة على باب الصالة الفنان الكاريكاتيري الرائع والفلسطيني (العظيم) ناجي العلي -يرحمه الله- يتأمل المشهد، وهو يقاطع ساقيه كعادته الدائمة ثم صرخ ناجي في المحرر الفلسطيني الذي قبّل يدي التاجر: (يا أخو الشليته)، الفلسطيني حرّ. ما خلق لكي يقبل الأيادي يا ابن الـ(…)، ثم خلع ناجي حذاءه وقذفه باتجاه المحرر المسكين، وبعد ذلك ضجت الصالة بالفصل بين المتخاصمين، أخذت ناجي العلي إلى مكتبه، وكانت عروق الرقبة منه ناتئة، وكأنها توشك على الانفجار، قلت له يا أبا خالد (الناس أجناس) فصرخ في وجهي، ولكن الفلسطيني عليه أن يكون فلسطينياً حقيقياً يحتفظ بكرامته مهما كان.

هدأ ناجي ثم طلبت له فنجاناً من القهوة الثقيلة الطازجة، ثم تناول قلمه وراح يرسم لي (حنظلة وهو يقرأ مقالة المحرر الفلسطيني برجليه).

قلت له يا ناجي إذا ما فعلت ذلك فأي جريدة تستقبلك؟ هدئ من روعك.

نهض من كرسيه الخشبي ثم مزق اللوحة والتفت إليّ ثم قال: اسمع أيها البدوي: في هذا البلد كل شخص له عمّ، فما هو رأيك أن تصبح عمّاً لي وأصبح عماً لك.

صار ناجي عمي وصرت عماً له طوال وجودنا في جريدة السياسة الغراء، وفي ذات ليلة «هتف» له سليمان الفهد وقال «يا ناجي ما رأيك في أن نلتقي عند «محمد باحسين» ثمّ هات لنا الصعلوك سليمان الفليح إن وجد؟!».

ضحك ناجي طويلاً ثم قال: هو بين الأيادي، بعدها تناول السماعة محمد باحسين، وقال لي لقد اشتقنا إليك طويلاً فتعال إلى بيتي حيث ملتقى الشعراء والكتّاب والمثقفين، إن بيتي مفتوح للصعاليك والغرباء والعابرين.

أتيت إلى بيت «با حسين»، وكان يضم في جلسته الرائعة مجموعة من الأصدقاء الرائعين مثل حمود الصقعبي، وعبد الرحمن الشايع، وصقر الرشود، ومحمد السريع، والشاعر الفلسطيني مازن شديد والكاتب المصري الكبير أمين العيوطي، وحسين العتيبي، بالإضافة إلى سليمان الفهد وناجي العلي، وكان بيت «باحسين» مفتوحاً للأصدقاء إذ «يهطل» الصعاليك في آخر الليل ويجدون المأكل والمنام أيضا،ً وذلك لأن «محمد باحسين» سليل أسرة كريمة عُرفت بالكرم وقد لقب جده بـ«معشي الشجر» إذ تقول الحكاية: إن جده الأول حينما كبر وأصابه الخرف كان قد تعود طوال حياته أنه ما ان يرى ركباً قادماً حتى نحر الذبائح له، وذات ليلة مغبرة لمح أشجار سدر فظنها ضيوفاً وأمر أهل بيته بنحر الذبائح فقالوا له: إن ذلك شجر وليس ركبا فقال «عشوا الشجر». أما أبو نبيل محمد با حسين حفيده، فقد كان نبيلاً بالفعل، لا يعرف الغضب ولا الكراهية ولا الزعل، فقد خلقه الله لدماثة الخلق والضحكة الدائمة، كلمته الأثيرة (يا باي)، وكنا نرى فيه نحن أصدقاءه الكتّاب، مرآة لنا إذ ينتقد أعمالنا بكل صراحة ووضوح.

انضم الى الشلة في ما بعد المرحوم عدنان العتيقي، وهو مفكر عميق وكاتب رصين ووطنيٌ (للعظم)، كما كان ناجي فلسطينيناً (للعظم)، وقد ورث عدنان آنذاك عن جده مزارع من النخيل والأراضي والأملاك و«العبيد» فذهب إلى المملكة وأعتق العبيد وباع الأملاك، وقرر أن يتجول في بلاد الله الواسعة كبقية أصدقائه المقربين الذين كان يغدق عليهم المال، وقرر في لفتة ذكية منه أن يختبر صدق هؤلاء الأصدقاء فجمعهم ذات ليلة في مدينة لندن، وقال أيها الأصدقاء لم يبق لدي من المال شيء، وعلينا أن نعتمد على أنفسنا في هذه الديار الغريبة دعونا نعمل لنعيش أو نحصّل ثمن التذاكر التي تعيدنا الى الكويت، فشمّر عن ساعديه وعمل جرسوناً في مطعم، بينما أصدقاؤه أخذوا ينسحبون من حوله الواحد تلو الآخر، ولم يتبق لديه سوى صديق يمني اسمه أحمد، ظل يشاطره العمل ويتنقلان من بلد إلى بلد من حصلية عملهما كجرسونين ثم قال له: اسمع يا أحمد لقد جربت الأصدقاء وادعيت الإفلاس وهذا مجرد اختبار، ولكن منذ اليوم ستكون أنت أخي وصديقي المخلص، وسأقتسم معك هذه الثروة حتى يغيبنا الثرى. وبالطبع كانت تجربة عدنان تجربة ثرية في الحياة، وقد وعدنا بأن يكتبها ذات يوم، ولكن القدر لم يمهله طويلاً إذ انتقل إلى رحمة الله وهو في قمة العطاء غيفارا مات

قلت في الحلقة الماضية إنني خرجت وناجي العلي من الجريدة بعدما ضرب المحرر الفلسطيني بـ(الصرماية)؛ لأنه قبّل يد وأنف التاجر الكويتي، وظلّ يواصل السباب حتى ونحن في الشارع، حيث كان ينظر إلينا عمال الشويخ الصناعية الذين يجتمعون أمام موقف الباص بذهول غريب، ثم تذكّر ناجي حاجة قد نسيها في الجريدة فهرول نحو قسم التوزيع، وحمل رزمة من الجرائد المرتجعة، فقلت له: ماذا تريد بها يا ناجي؟ فقال لي: سأعطي قسماً منها لصديقي الخبّاز (غلوم) الإيراني، وقسماً منها لصديقي الكواي راجو الهندي، ثم أستعمل ما تبقى منها كسفرة في البيت.

وقبل أن يضع ناجي الجرائد المرتجعة في (دبة) السيارة سمعت لغطاً تعالى شيئاً فشيئاً، وظننت أن ناجي لربما قد (تشاكل) مع بعض عمال الشويخ، ولكنني حينما نزلت واستدرت خلف السيارة رأيت (عربي عبدالله) وكان أحد رموز الثورة الفلسطينية، وهو يقبّل رأس ناجي ويقول له بالحرف الواحد: (امسحها بلحية الثورة)، قال ناجي وقلت أيضاً إننا التقينا في بيت صاحبنا (أبي نبيل- محمد باحسين)، وإننا التقينا بثلّة أو (شلّة) من الأصدقاء ودار الحديث طويلاً حول هموم الوطن، واستمر الحديث طويلاً وكنت أرى (عمي) ناجي كما اتفقنا على التسمية يتقرفص مثل الحلزون في الكنبة الضيقة، أشار إليّ أن أغيّر كل الحديث، ولم أكن ماهراً في التجاوب، حيث العبد لله سليمان الفهد قد شغّل شريطاً للشاعر والشيخ، تقول كلمات الشريط:

غيفارا مات..

بلا طنطات ولا إعلانات

ولا حدّ مشي معه

للجبّانات

غيفارا مات

مات البطل فوق مدفعه

جوا الغابات

يا مية خسارة عالرجال

غيفارا مات

اعتدل ناجي العلي من جلسته ثم وقف وهتف:

زهر البنفسج

ياربيع بلادنا

وأحلى بلاد

في البلاد بلادنا

لنعود إلها

إذا ما عادت لنا

ثم أخذ ناجي (يدبك) وحده، ويكمل القصيدة الراقصة، ثم انضمت له كل الشلّة بالدبكة والحركة الراقصة، وبقينا (ندبك) حتى الصباح، وحينما انبلج الفجر ونام من نام من الأصدقاء انسللت أنا وناجي وسليمان الفهد إلى (فوال عظيم) أي إلى رجل يضع الفول (بمقدرة عالية)، وكان يعرفه سليمان الفهد لأنه (فوال أمين... فوال ابن فوالين)، من مصر العتيقة. تناولنا (أصحن الفول) حتى شبعنا، ثم قال لنا الفوال لما انتهينا اكتبوا عن هموم (الغلابا!).

بعد ذلك صار ناجي صديقي الذي لم أنفصل عنه في الجريدة أو في الخروج إلى الأصدقاء أو في مضاربي التي نصبتها وسط الصحراء.

وبمناسبة الحديث عن المرحوم ناجي العلي، فإنني أعتقد أن أقرب صديق له هو سليمان الفهد وأن انطلاق شهرته وتألقه من رواق جريدة السياسة وقد عرفناه طويلاً أكثر من الذين ادعوا صداقته وعملوا فيلماً تجاهل كل مرحلة ناجي الذهبية، سواء في الطليعة أو في السياسة أو في القبس، حيث قدم فيها أبهى العطاءات، وفتح له محمد الصقر باباً شاسعاً للحرية والإبداع. وبمناسبة ادعاء صداقة ناجي فإن المحرر الفلسطيني الذي ضربه ناجي بالحذاء قد كتب عنه حينما مات انه صديقه الوفي

حينما أصبح ناجي العلي -عمي- وأصبحت أنا عمه حسب ميثاق المحبة الذي ربط بيننا، كنا نخرج في أوقات الفراغ للتسكع في الشوارع الخلفية للكويت، إذ أزور بعض أصدقائي الصعاليك، وهم يسكنون في المرقاب القديم أو (الدمنة) التي أصبحت السالمية، أو نذهب إلى الضواحي القصية حيث «العباسية»

و«الدوغة» وجليب الشيوخ وعشيش الشدادية والجهراء القديمة ذات النخيل. وكان أغلب أصدقائي من الكهول وأصحاب النظريات العجيبة في الحياة والمهمشين الذين يلعنون الحياة بأشعارهم الساخرة، والمهربين الذين «تابوا» عن التهريب، فأصبحوا كما يقولون «كالنسور المقعدة»، والذين يروون حكايات لا نملُّ من سماعها حتى يتلاشى الليل والبداة الذين يحرجون «ناجي» بولاءاتهم الفادحة. أما هو فكان أغلب أصدقائه من الفلسطينيين البسطاء الذين لا يعرفون المبالغة أو الادعاء، والذين يحبون الكويت مثلما يحبون فلسطين لأنهم نشؤوا وترعرعوا فيها، وأصبحت وطنهم الثاني الذي لا بديل عنه. تماماً كما قالت لي ذات مرة السيدة «أم العبد» القريوتي التي تقيم في حولي، إذ روت لي كيف ان الإسرائيليين لما اجتاحوا المخيم وفرزوا الرجال عن النساء ثم أخذوا يفرزون الشباب عن الكهول وفرزوا ناجي بأنه من الكهول نظراً الى شعره الأشيب وظهره المحدودب، وأطلقوا سراحه لأنه حسب رؤيتهم من الكهول، تقول أم العبد فلتت زغرودة مني ولم يفهم الضابط الإسرائيلي معنى «زغرودتي الوطنية» حتى الآن، وذلك لأن ناجي العلي هو رمز فلسطين ثم أدارت علينا البخور وقالت يحرسكم الله.

بعد ذلك قدمت لنا أم العبد القريوتي طبقاً ساخناً من «المسخن الفلسطيني» و«طنجرة» كاملة من الملوخية الفلسطينية اليانعة المشغولة بالثوم والليمون وزيتون فلسطين الأصيل. استرحنا قليلا عند «أم العبد»، ثم ذهبنا نتسكع بالفروانية حيث اكتظاظ الفلسطينيين مثلما اكتظاظهم في نواحي الكويت، وفي مدخل الفروانية وعند الإشارة اعترضت سيارتنا أنا وناجي سيارة صغيرة يقودها رجل ذو شعر كثيف، فاضطربت كثيرا وحاولت أن أتشاجر معه «لأنني في تلك الأيام كنت على استعداد أن أشاجر حتى الهواء»، ولكن ناجي أمسكني من يدي وقال لي لعله «علي جرار» أتعرف علي جرار؟!»، قلت أعرف أنه من رجال الإعلان التافهين الذين يشتغلون في جريدة السياسة.

قال لي ناجي «لأ، بل الحقه واستوقفه، وستعرف تماماً من هو علي جرار.. لحقت علي ثم «صفطت» أمامه ونزل لي كالأسد الهصور، وأشهر سكيناً في وجهي، ثم قال «انزلا، يازمرة «الأوباش» الحقيرين، واتجها إلى شقتي فأنا «أعزمكما» رغما عنكما (!)، ثم لماذا تمارسان كالصبية الجاهلين مشاغبة «السابلة»؟ ولماذا تطوفان الإشارة كالبداة الهمجيين».

أوقفنا علي بمدخل شقة في الفروانية ودعانا إلى العشاء الذي أعدته أمه العجوز، ثم قال لها «يا ختيارة هؤلاء أصحابي ناجي العلي الفلسطيني وسليمان الفليح البدوي».

منذ ذلك الزمان أحسست أنني أنتمي بشعري ومواقفي إلى فلسطين بفضل علاقتي بناجي العلي، مثلما أنتمي بشعري ومواقفي إلى الكويت بفضل علاقتي بسليمان الفهد؛ ولذلك أصبحت منذ تلكما العلاقتين الراسختين «وطنياً لم يساوم على وطنيته من أجل الكويت»، و«عروبياً لا يساوم على عروبته من أجل فلسطين»، وبالطبع في ذلك الزمان كنت معجباً بشكل خاص بنضال عبدالعزيز بن عبدالرحمن في قيام أول وحدة حقيقية على أرض العرب، وكيف أنه انتزع السيوف من أكف القبائل المتغطرسة التي لا تؤمن إلا بالغزوات، وأقام هجراتها الثابتة، وفرض الأمن والسلام في ربوع الجزيرة العربية، وأقام مملكته الموحدة الرائعة.

بالطبع ليس هذا مديحا أرتجي منه المنفعة والمصلحة بل هو قناعتي الراسخة بكل ما فعله المؤسس العظيم والموحد الذي ضمّ هذا الكيان العظيم ليجعله وطناً واحداً ومملكة واحدة.

لم يكن ناجي يوافقني على قناعاتي كلها بل كان «ينسفها»، ثم يزمجر مثل «فحل الجمال» في أولات السفاد، ثم يعود إلى ريشته ليرسم «أهل الخليج بكروشهم المندلقة». غضبت على ناجي، وقلت له ذات مرة إننا لن نلتقي، فلست عمي أنت ولست عمك أنا كما اتفقنا؛ لأنك تسخر من أصدقائنا «المتكرشين» الذين يمدون ثورتك بالمال أو بالرجال، وهؤلاء يا ناجي العلي «أعمامنا».

ضحك أبو خالد حتى بانت نواجذه ثم صعّد بالموّال «أحلى أعمامي في الكويت أعمامنا» أيرضيك ذلك؟

نشر بتاريخ 25-07-2008  


أضف تقييمك

التقييم: 0.00/10 (0 صوت)


 






Powered byبرنامج الموقع الشامل انفنتيv2.0.5
Copyright © dciwww.com
Copyright © 2008 www.sulimanalfulih.com - All rights reserved


صور|الأرشيف|السيرة الذاتية|دواوين|الأخبار|الفيديو|الصوتيات|المنتديات|الرئيسية